ابن جبير

207

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

وعند نزولها وأبصرنا من نخوة الملك النسائي واحتفاله رتبة تهز الأرض هزا وتسحب أذيال الدنيا عزا ويحف ان يخدمها العز ويكون لها هذا الهز فإن مسفاة مملكة أبيها نحو الأربعة اشهر وصاحب القسطنطينية يؤدى اليه الجزية وهو من العدل في رعيته على سيرة عجيبة ومن موالاة الجهاد على سنة مرضية وأعلمنا أحد الحجاج من أهل بلدنا ان في هذا العام الذي هو عام تسعة وسبعين الخالي عنا استفتح من بلاد الروم نحو الخمسة وعشرين بلدا ولقبه عز الدين واسم أبيه مسعود وهذا الاسم غلب عليه وهو عريق في المملكة عن جد فجد ومن شرف خاتون هذه واسمها سلجوقة ان صلاح الدين استفتح آمد بلد زوجها نور الدين وهي من أعظم بلاد الدنيا فترك البلد لها كرامة لأبيها وأعطاها المفاتيح فبقى ملك زوجها بسببها وناهيك من هذا الشأن والملك ملك الحي القيوم يؤتى الملك من يشاء لا إله سواه فكان مبيتنا تلك الليلة بإحدى قرى بغداد نزلناها وقد مضى هدء من الليل وبمقربة منها دجيل وهو نهر يتفرع من دجلة يسقى تلك القرى كلها وغدونا من ذلك الموضع ضحى يوم الثلاثاء السادس عشر لصفر المذكور والقرى متصلة في طريقنا فاتصل سيرنا إلى اثر صلاة الظهر ونزولنا وأقمنا باقي يومنا ليلحق من تأخر من الحاج ومن تجار الشام والموصل ثم رحلنا قبيل نصف الليل وتمادى سيرنا إلى أن ارتفع النهار فنلزنا قائلين ومريحين على دجيل وأسرينا الليل كله فنزلنا مع الصباح بمقربة من فرية تعرف بالحربة من أخصب القرى وأفسحها ورحلنا من ذلك الموضع وأسرينا الليل كله ونزلنا مع الصباح من يوم الخميس الثامن عشر الصفر على شط دجلة بمقربة من حصن يعرف بالمعشوق ويقال انه كان متفرجا لزبيدة ابنة عم الرشيد وزوجه رحمه الله وعلى قابلة هذا الموضع في الشط الشرقي مدينة سر من رأى وهي اليوم عبرة من رأى أين معتصمها وواثقها